صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

357

تفسير القرآن الكريم

مظانّه أن المتأصّل في التحقق هو وجود كل شيء الذي هو حقيقته ، والماهية حالة انتزاعية عقلية منصبغة بصبغ الوجود ، منوّرة بنوره - فموجد الأشياء بالحقيقة موجد لوجوداتها ومنشيها وجاعلها ، إنشاء بسيطا ، وجعلا مقدّسا عن التركيب غير مستدع لأمرين : مجعول ومجعول إليه . ثمّ إذا كانت موجودية الأشياء - كما علمت - ليست باتصاف الماهية بالوجود بل بإبداع المبدإ تعالى وجوداتها ، وتأييسه إياها - على النحو الذي مرّ ذكره - فيكون اللّه تعالى وجود الوجودات فإذا كان اللّه وجود الوجودات فلا يكون للموجودات تحصّل إلا به ، ولا هويّة لها إلا بهويّته . ثمّ ليست هويّة الباري متقوّمة بها وإلا لزم الدور وافتقار الواجب إلى الممكن - وكلاهما محالان - فيكون الموجود بالحقيقة هو الحقّ تعالى لا غير ، ويكون موجودية غيره باعتبار أخذها معه ، فيكون من قبيل الأظلال والأشباح التي يتراءى في المرائي الصيقلية بتبعيّة الشخص الخارجي ، فالماهيات كلّها بمنزلة المرائي ، التي يتراءى فيها صورة الوجود الحقيقي - لعدميتها كعدمية لون المرآة - . ولهذا المعنى قال الحلاج : « اللّه مصدر الموجودات » وقال بعضهم : « اللّه وجود السماوات والأرض » وإليه يرجع قول الشبلي : « ما في الجنة أحد سوى اللّه تعالى » وكأنه أراد بالجنة هاهنا الوجود المتأصّل الحقيقي ، لأنه الخير المحض يؤثر عند الكل ، وإليه يشير قول أبي العباس : « ليس في الدارين إلا ربّي ، وأن الموجودات كلها معدومة إلا وجوده تعالى » . ويؤيد ذلك قول أمير المؤمنين وإمام الموحّدين عليه السّلام : « 1 » « لا أعبد ربّا

--> ( 1 ) في الكافي : باب جوامع التوحيد 1 / 138 « ما كنت أعبد ربا لم أره » .